تستفيد أوكرانيا من خبرتها العسكرية التي اكتسبتها بصعوبة لتصبح شريكًا أمنيًا غير متوقع في أنحاء الشرق الأوسط. وقد أضفت زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق يوم الأحد طابعًا رسميًا على اتفاقية تعاون مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ما يضيف بُعدًا جديدًا لدور كييف الناشئ كمستشار دفاعي إقليمي. وتعهد الزعيمان بتبادل المعرفة العسكرية والأمنية، مع تركيز خاص على قدرات مكافحة الطائرات المسيّرة—وهو المجال الذي أصبحت فيه أوكرانيا مرجعًا عالميًا بعد نحو خمس سنوات من الحرب غير المتكافئة ضد روسيا. ويأتي هذا التحول الاستراتيجي لأوكرانيا في ظل تصاعد التوترات بين إيران والمصالح الأمريكية-الإسرائيلية. فقد نفذت طهران وشبكة حلفائها هجمات متواصلة باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ متطورة في منطقة الخليج العربي، مما خلق طلبًا عاجلًا على حلول دفاعية. وتمثل سوريا، التي تعاني حاليًا من ضعف في أنظمة الدفاع الجوي، أولوية استراتيجية ورمزًا لاتساع النفوذ الدبلوماسي الأوكراني بعد سقوط نظام الأسد. ومن خلال تموضعها كشريك أمني موثوق للحكومات الجديدة في الشرق الأوسط، تسعى كييف إلى تنويع تحالفاتها الدولية وتحويل خبراتها القتالية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي. وتُمثل محادثات دمشق جزءًا من استراتيجية أوسع للانخراط الإقليمي. وخلال الزيارة نفسها، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع زيلينسكي ونظيره السوري، في إشارة إلى تنسيق متعدد الأطراف بشأن الأمن الإقليمي. وقبل أيام، وقّع زيلينسكي اتفاقيات تعاون عسكري طويلة الأمد مع كل من السعودية وقطر، ما يعزز مكانة أوكرانيا بين القوى المؤثرة في الخليج. ولا تقتصر هذه الشراكات على العتاد العسكري، إذ تعرض أوكرانيا خبراتها المؤسسية في حرب الطائرات المسيّرة، وأنظمة الإنذار المبكر، والتخطيط الدفاعي الاستراتيجي، التي راكمتها عبر سنوات من الابتكار في ساحات القتال. وعلاوة على الجانب الأمني، طرح زيلينسكي أوكرانيا كمورّد للحبوب وشريك في التنمية، حيث ناقش مع سوريا التعاون في مجال الأمن الغذائي ومشاريع البنية التحتية المشتركة. كما ركزت محادثات سابقة مع تركيا على مبادرات مشتركة في مجال البنية التحتية للغاز، ما يكشف عن طموحات أوكرانيا للعب دور متعدد الأبعاد في استقرار المنطقة. وبالنسبة لدولة لا تزال تخوض صراعًا وجوديًا مع روسيا، فإن هذه التحركات في الشرق الأوسط تمثل فرصًا فورية للإيرادات وبناء تحالفات طويلة الأمد قد تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية في مرحلة ما بعد الحرب.